البغدادي
277
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
حسنت وجوههما وملحت خدودهما ، فكذلك يجب أن يكون مصطلاهما إذا أعيد الضمير إلى الأعالي أن يكون قد اصطلت الأعالي ، وإذا اصطلت الأعالي فقد اسودّت ، وهو يخبر أنّهما لم يسودّا لأنّهما لم يصل الدّخان إليهما . والدليل على ذلك أنّه وصف الأعالي بالكمته ولم يصفها بالسّواد كما وصف الجارتين ، فلا يشبه هذا قولك الهندان حسنتا الوجه مليحتا خدودهما ؛ لأنّ كلّ واحد من هذين الضميرين قد ارتفع بفعله ، وكذلك يجب أن يرفع ضمير الأعالي بفعله ، فيكون على هذا الأعالي قد اصطلت بالنّار ، وهذا خلاف ما أراد الشاعر ، لأنه ذكر أنه لم يصطل منها غير الجارتين وأنّ الأعالي لم يصل إليها الدخان . فهذا خلاف ما نظره النحويون وقاسوه . فلا بدّ من [ الذهاب في ] معنى البيت إلى ما ذهب إليه سيبويه ، من أنّ الضمير في مصطلاهما يعود على الجارتين . انتهى . وقد ردّ ما ذهب إليه المبرّد ابن جنّي أيضا بوجه غير هذا ، قال في باب الحمل على المعنى « من الخصائص » : اعلم أنّ العرب إذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ ، كقولك شكرت من أحسنوا إليّ على فعله . ولو قلت شكرت من أحسن إلي على فعلهم جاز ، ولهذا ضعف عندنا أن يكون هما من مصطلاهما « 1 » في قوله : كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما ، عائدا على الأعالي في المعنى إذا كانا فاعلين اثنين « 2 » ، لأنّه موضع قد ترك فيه لفظ التثنية حملا على المعنى لأنّه جعل كلّ جهة منهما أعلى ، كقولهم : شابت مفارقه ، وهذا بعير ذو عثانين ، ونحو ذلك . أو لأنّ الأعليين شيئان من شيئين ، فإذا كان قد انصرف عن اللفظ إلى غيره ضعفت معاودته إيّاه ، لأنّه انتكاث وتراجع فجرى ذلك مجرى إدغام الملحق وتوكيد ما حذف . على أنّه قد جاء منه شيء قال : ( الطويل ) * رؤوس كبيريهنّ ينتطحان * وأما قوله « 3 » : ( البسيط )
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " من اصطلاهما " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية . ( 2 ) في حاشية طبعة هارون 4 / 299 : " وكذا في بعض أصول الخصائض 2 : 421 . والوجه ما في سائر أصول الخصائص : كانا أعليين اثنين " . ( 3 ) هو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الثلاثمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي . والبيت للفرزدق في ديوانه 1 / 34 ؛ وأسرار العربية ص 287 ؛ وتخليص الشواهد ص 66 ؛ والخصائص 3 / 314 ؛ -